فصل: مطلب الحواس الباطنة والظاهرة والأخبار بالغيب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب الحواس الباطنة والظاهرة والأخبار بالغيب:

وقيل المخصّص لهذا العدد اختلاف البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثني عشر يعني الحواس الخمس الباطنة أو الخمس الظاهرة والقوة الباعثة كالغضبية والشهوية والقوة المحركة، فهذه اثنا عشرة، والطبيعيات السبع ثلاث منها مخدومة وهي النامية والغازية والمولدة، وأربع منها خادمة وهي الهاضمة والجاذبة والدافعة والماسكة، وهذا مع ابتنائه على الفلسفة لا يكاد يتم، كما لا يخفى على من وقف على كتبها، والحقيقة في حكمة هذا العدد لا يعلمها إلا اللّه القائل: {ويزْداد الّذِين آمنُوا} من أهل الكتابين والذين آمنوا بالقرآن {إِيمانا} تصديقا بمحمد وما أنزل عليه بأنه وحي سمأوي لأنه أخبر به دون تعلم أو دراسة {ولا يرْتاب الّذِين أوتُوا الْكِتاب والْمُؤْمِنُون} في عددهم وليخالف حالهم حال المشركين والكفار {ولِيقول الّذِين فِي قُلوبِهِمْ مرضٌ} نفاق وشك وريب {والْكافِرُون} من المشركين {ما ذا أراد اللّهُ بِهذا مثلا} أي ما معنى هذا العدد العجيب ولأي شيء اختاره على غيره، وهذه الآية من الإخبار بالغيب قبل الوقوع فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم لأنه أعلم بإعلام اللّه إياه بأنه سيكون منافقون يرتابون في هذا القرآن، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ولا يوجد زمن نزولها منافقون، والنفاق ظهر بالمدينة، ولهذا جاء الفعل بلفظ المستقبل {كذلِك} مثلما أضل اللّه منكري عدد الخزنة {يُضِلُّ اللّهُ منْ يشاءُ} من غيرهم ممن اقتفى آثار الكفر وأعرض عن الإيمان {ويهْدِي منْ يشاءُ} ممن آمن به وصدق رسله {وما يعْلمُ جُنُود ربِّك} الذين من جملتهم خزنة جهنم {إِلّا هو} وحده لأن ملائكته لا يحصون وهذا كالجواب للخبيث أبي جهل لقوله: ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر، أي له أعوان كثيرون لا يعلمهم إلا اللّه، فكما أن مقدراته غير متناهية فكذلك جنوده، وإن الواحد منهم كاف لخراب الدنيا بما فيها، راجع الآية 81 من سورة هود {وما هِي} أي سقر الموصوفة آنفا {إِلّا ذِكْرى لِلْبشرِ 31} وموعظة وما مواعظ القرآن وآياته إلا عبرة للناس يتذكرون بها {كلّا} إن البشر لا يتعظون بها ولهذا فانه تعالى أقسم جل قسمه فقال: {والْقمرِ 32} الذي جعلته نورا لخلقي {واللّيْلِ} الذي خلقته راحة لعبادي {إِذْ أدْبر 33} ولّى وقرئ {دبر} بمعنى أدبر كقبيل بمعنى اقبل تقول دبرني فلان جاء خلفي والليل يأتي خلف النهار {والصُّبْحِ إِذا أسْفر 34} اعترض مضيئا بالأفق وقرئ سفر وقد أقسم اللّه بها لعظم منافعها كما لا يخفى وجوب القسم لهذه الأيمان الثلاث قوله جل قوله: {إِنّها لإِحْدى الْكُبرِ 35} الأمور العظام لأنها احدى دركات النار السبعة وهي:
1جهنم،2 والحطمة، 3 لظى، 4 السعير، 5 سقر، 6 الجحيم، 7 الهأوية.
وكل واحدة منها داهية دهماء عظيمة في البلاء جعلت {نذِيرا لِلْبشرِ 36} قال الحسن واللّه ما أنذر بشيء أدهى من النار وهذا النذير قد حصل للجميع {لِمنْ شاء مِنْكُمْ} أيها الناس {أنْ يتقدّم} للطاعة ويبادر لفعل الخير فينجو منها {أو يتأخّر 37} عنها فيقع في الشر والمعصية فيهلك في تلك النار هذا ولا دلالة في هذه الآية لقول من قال إن العبد مجبر على الفعل ومتمكن من فعل نفسه لأن مشيئته تابعة لمشيئة اللّه وانها على حد قوله تعالى: {فمنْ شاء فلْيُؤْمِنْ ومنْ شاء فلْيكْفُرْ} الآية 29 من الكهف أي بعد أن بينا لكم أيها البشر طريقي الخير والشر وأمرناكم باتباع الخير والانكفاف عن الشر وهذا على حد قوله تعالى: {اعْملوا ما شِئْتُمْ} الآية 40 من سورة فصّلت أي افعلوا ما شئتم فكل مجاز بعمله إن خيرا فخير وان شرا فشر قال: {كُلُّ نفْسٍ بِما كسبتْ} من الأعمال {رهِينةٌ 38} عند ربها غير مفكوك عنها لأنها مأخوذة بعملها ورهينة اسم فعل بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم وليست بتأنيث رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث مثل قتيل وجريح لتكون بمعني اسم الفاعل والمفعول بل هي واحد الرهائن، ثم استثنى اللّه تعالى من هذا العموم فقال: {إِلّا أصْحاب الْيمِينِ 39} الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وهم المؤمنون المخلصون لأنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يفك الراهن رهنه بأداء ما عليه من الحق، وقد روي عن علي كرم اللّه وجهه انهم أطفال المؤمنين لأنهم لم يكتسبوا إثما يرتهنون فيه.
وقال ابن عباس هم الملائكة.
وقيل هم الذين كانوا على يمين آدم يوم أخذ الميثاق وحين قال تعالى هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي لأن اللفظ عام لا يوجد ما يخصصه وهؤلاء الميامين المباركون {فِي جنّاتٍ يتساءلون 40} فيما بينهم {عنِ الْمُجْرِمِين 41} فيقولون لهم على سبيل التوبيخ والتقريع {ما سلككُمْ} أدخلكم وأوصلكم ونفحكم فحبسكم {فِي سقر 42 قالوا} لهم زججنا فيها لأنا {لمْ نكُ مِن الْمُصلِّين 43} في الدنيا ولم نعتد فرضيتها {ولمْ نكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين 44} في الدنيا بما تفضل اللّه به علينا ولم نتصدق عليه كما فعل المؤمنون الذين يؤثرون على أنفسهم ولم نكن معدمين لنعذر {و} مع هذا كله فإنا {كُنّا نخُوضُ} بالباطل وقول الزور في آيات اللّه {مع الْخائِضِين 45} في البهتان والافتراء والاختلاف {وكُنّا نُكذِّبُ} ننكر أيضا ولا نصدق {بِيوْمِ الدِّينِ 46} يوم الجزاء والحساب وبقينا متمادين في ذلك كله {حتّى أتانا الْيقِينُ 47} الموت وسمي يقينا لأن كل البشر موقن به فصار علما على الموت، قال تعالى ردا لما يقال من أسباب الخلاص لمثل هؤلاء {فما تنْفعُهُمْ شفاعةُ الشّافِعِين 48} عندنا من الملائكة والأنبياء والشهداء والصالحين في ذلك اليوم الذي تقبل فيه الشفاعة لمن يشاء اللّه.

.مطلب الشفاعة والمحروم منها:

في هذه دليل ثبوت الشفاعة فيما عدا الأصناف الأربعة المذكورين، وهو كذلك، لأنهم يشفعون بإذن اللّه لمن يرتضيه، فلا يرد عليه ما جاء بالآيات الأخر.
قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة، ثم تلا هذه الآية {قالوا لمْ نكُ} قال عمران ابن حصين الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون المذكورين في الآية وروى البغوي عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم يصف أهل النار فيعذبون قال: «فيمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول للرجل منهم يا فلان فيقول ما تريد؟ فيقول أما تذكر رجلا سقاك شربة ماء يوم كذا وكذا فيقول وإنك لأنت هو، فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه، قال ثم يمر بهم الرجل فيقول يا فلان فيقول ما تريد؟ فيقول أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا؟ فيقول وانك لأنت هو؟ فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه».
قال تعالى: {فما لهُمْ} أي شيء جعل لهؤلاء الكفرة من قومك يا حبيبي (إذا كان حال المعذبين على ما ذكر) {عنِ التّذْكِرةِ مُعْرِضِين 49} أي عن سماع هذا القرآن مولين ظهورهم عنه بعد أن سمعوا ما سمعوا من آياته ونصح من أنزل عليه ولم يتعظوا {كأنّهُمْ حُمُرٌ} وحشية {مُسْتنْفِرةٌ 50} بكسر الفاء أي نافرة وقرئ بفتحها فتكون بمعنى منفرة مذعورة خائفة كأنها {فرّتْ مِنْ قسْورةٍ 51} أي الأسد أو جماعة أو جماعة الرماة الصيّادين، لا واحد له من لفظه مثل ذلك ورهط راجع الآية الأولى من سورة الفاتحة الآتية، شبه جل جلاله نفور المشركين من سماع مواعظ القرآن ونصائح حضرة الرسول بنفور الحمر الوحشية عند ما تشاهد الأسد أو الرماة فلا يرى مثل نفورها وكذلك هروب المشركين عند سماع كلام حضرة الرسول في قرآن أو غيره، راجع الآية 127 من سورة التوبة {بلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ} أي هؤلاء المعرضون {أنْ يُؤْتى صُحُفا مُنشّرة 52} قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها الناس، أي أنهم لا يكتفون بتلك التذكرة من حضرة الرسول ولا يرضون بها وذلك أن كفار قريش قالوا لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان نؤمر فيها باتباعك، ونحو هذا القول ما يأتي في الآية 92 من سورة الإسراء الآتية.

.مطلب ما يطلبه قريش من الرسول:

وقالوا بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح وعند رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، وقالوا إن كان محمد صادقا فيصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار، فرد اللّه عليهم بقوله عزّ قوله: {كلّا} لا يؤتون شيئا من ذلك، وهذه كلمة ردع وزجر ونهي لهم عن طلب تلك الاقتراحات والتمنّيات {بلْ لا يخافُون} بالياء والتاء هؤلاء هول {الْآخِرة 53} ولا يخشون عذابها وما أو عدوا فيها إذ لو خافوا ذلك لما اقترحوا شيئا من هذه الاقتراحات الواهية ولأن ما حصل من المعجزات وما قام من الأدلة على اثبات نبوته وصحة ما جاءهم به كاف على وجوب الإيمان به، ولكنهم لن يؤمنوا ولو جئنهم بكل آية، راجع الآية 95 من سورة يونس، فطلبهم هذا زيادة في التعنّت والعناد ولهذا زجرهم بقوله: {كلّا} حقا {إنّه} القرآن {تذْكِرةٌ 54} عظيمة وعظة بليغة كافية لمن وفقه اللّه للإيمان {فمنْ شاء} منكم أيها الناس أن يذكره {ذكرهُ 55} ولم ينسه واتعظ به ولم يطلب غيره لأن نفعه عائد عليه {وما يذْكُرُون} هؤلاء وغيرهم بمشيئتهم إذ لا يقدرون أن يذكروه {إلّا} وقت {أنْ يشاء اللّهُ} لهم ذلك فإن شاء لهم الهدى تذكروا فيه فاهتدوا وإلا لا، فإنه هو وحده جل جلاله {أهْلُ التّقْوى} وبالحري أن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا به ويطيعوه {وأهْلُ الْمغْفِرةِ 56} وحقيق أن يغفر للطائعين ما سلف منهم إذا آمنوا وصدقوا نيتهم واللّه أحق أن نتقي محارمه وأكرم من أن يرد من يقبل عليه بإخلاص.
هذا ولا يوجد غير هذه السورة مختومة بمثل هذه اللفظة، أخرج أحمد والترمذي وحسنه الحاكم وصححه النسائي وابن ماجه وخلق كثير آخرون عن أنس أن رسول اللّه قرأ هذه الآية {هو أهْلُ التّقْوى} إلخ فقال:
«قد قال ربكم أنا أهل بأن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له».
وأخرج ابن مردويه عن عبد بن دينار عن أبي هريرة وابن عمر عن ابن عباس مرفوعا ما يقرب من ذلك، هذا، واللّه أعلم واستغفر اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اهـ.

.فصل في الوقف والابتداء في آيات السورة الكريمة:

.قال زكريا الأنصاري:

سورة المدثر عليه الصلاة والسلام.
مكية.
{قم فأنذر} كاف وكذا {فكبر} و{طهر} و{فاهجر} و{تستكثر} و{فاصبر}.
{غير يسير} تام.
{إن أزيد كلا} تام وأجازوا الوقف على {أن أزيد} ويبتدئ بـ: {كلا} بجعلها بمعنى إلا.
{عنيدا} كاف. وكذا {صعودا} و{قول البشر} و{سقر} {ولا تذر} ويبتدئ {لواحة} بمعنى هي.
{لواحة للبشر} جائز.
{تسعة عشر} كاف وكذا {إلا ملائكة} و{مثلا} و{يهدي من يشاء}.
{إلا هو} تام وكذا {للبشر}.
{كلا} بمعنى إلا، فالوقف عليها هنا ليس بحسن وان جوزه بعضهم.
{أو يتأخر} حسن.
{إلا أصحاب اليمين} تام ويبتدئ {في جنات} أي هم في جنات.
{في سقر} كاف وكذا {أتانا اليقين} و{الشافعين} و{من قسورة}.
{منشرة} تام والأحسن الوقف على {كلا}.
{الآخرة} كاف.
{تذكرة} صالح.
{فمن شاء ذكره} حسن.
{إلا أن يشاء الله} كاف.
آخر السورة تام. اهـ.